
الدكتور الفرفار يكتب: “جنرالات الجزائر وسرير بروكست.. كيف اصبحت الانتخابات طريقا للموت”

العياشي الفرفار – برلماني واستاذ جامعي
يبدو ان سلطة الحكم بالجزائر متمسكة بعقيدة تصدير الازمات الداخلية وتعليق الحوار الداخلي وتأجيل مطالب الشعب بالديموقراطية والحق في الحياة، بدعوى وجود خطر يشكله المغرب الجار العدو.
رصيد الديمقراطية بالجزائر لا يكمن في نتائج التصويت، وإنما فيما يريده جنرالات العسكر.
الطريق الى قصر مرادية وعر وغير آمن لكنه محروس بعيون جنرالات الجيش التي لا تنام! وحدهم ضباط الايقاع والزمن الانتخابي والسياسي يملكون معالم الطريق اليه!
كل الانتخابات السابقة كانت لا تخرج بمفاجآت إلا ما يريده صندوق الجيش، منذ استقلال الجزائر كل الانتخابات الرئاسية لا تشكل استثناء بقدر ماهي تأكيد لنفس القناعة، فهي انتخابات على المقاس وبالمقاس لمرشح المؤسسة العسكرية بدء من اول رئيس بعد استقلال الجزائر أحمد بن بلة، كان مرشحا وحيدا من عام 1963 إلى عام 1965، قصر مدة حكمه رغم شرعيته الكبيرة كانت بسبب انقلاب قاده نائبه وزير الدفاع، هواري بومدين، في 19 يونيو 1965.
في هذه اللحظة استولى جنيرالات الجيش على السلطة لحد اليوم حيث ثم ايداع بن بلة السجن ثم الاقامة الجبرية.
بعد 13 سنة من حكم الهواري بومدين تولى السلطة رابح بيطاط، لم يدم حكمه اكثر من شهر ونصف.
بعده كان الشاذلي بن جديد الذي كان مرشحاً لخلافة الرئيس الراحل بومدين، وأعيد انتخابه في عامي 1984 و1988، وفي فبراير سنة 1989.
وفي دجنبر عام 1991، حصدت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» الأغلبية المطلقة في الدور الأول من أول انتخابات تشريعية تعددية في الجزائر، فارغم بن جديد على الاستقالة بتاريخ 11 يناير 1992 تحت ضغط الجيش، الذي ألغى العملية الانتخابية، ودخلت البلاد في حرب أهلية، دارت رحاها بين الجيش وقوات الأمن، من جهة، والجماعات المسلحة التي كانت ذراعا «الإنقاذ» في تلك الحرب، التي خلفت 150 الف قتيلاً.
الجيش كان يبحث عن وجه لها شرعية نصالية لتلميع وجهه بعد حرب ابادة على الشعب الجزائري، ثم تكليف محمد بوضياف الذي يُعد من كبار رجال الثورة، حكم لمدة 5 أشهر فقط ليتم اغتياله من طرف الجيش 29 يونيو 1992 بطلقات من بندقية الملازم مبارك بومعرافي، خلال محاكمته أنه نفّذ العمل وحده «تعاطفاً مع الإسلاميين»، في حين تحدثت لجنة التحقيق عن «مؤامرة».
وإلى يومنا هذا ما زالت عائلة بوضياف تطالب ب«الحقيقة» لايمانها أن «من استنجدوا به ليحكم البلاد هم من قتلوه في اشارة لجنرالات العسكر».
بعد بوضياف حكم الجزائر علي الكافي والجنرال لامين زروال وعبد العزيز بوتفليقة وعبد المجيد تبون.
السلطة بالجزائر منذورة للجيش وهي اشبه بلعبة العمود والصابون، هي لعبة قديمة بمدينة مارسيليا، حيت يتم نصب أعمدة وسط ساحات الاحتفال بمناسبة مهرجان المدينة، ويتم وضع على رأس كل عمود هدية للفائز، لكنه عمود مطلي بالصابون.
الفوز مرتبط بالقدرة على الوصول إلى أعلى العمود، ومقاومة السقوط بسبب الصابون اللزج.
يبدو أن نظام العسكر جعل من الانتخابات بالجزائر عمودا لزجا يتساقط هواة التسلق تباعا، لا أحد يصل إلى كعك السلطة، وحدهم الماسكون بزمامها يقررون من يصل ومتى وكيف.
الانتخابات الاخيرة التي تمت صياغتها على مقاس سرير بروكست (1)، تقدم لها أكثر من 16 مرشحا، كلهم شبيهي بهواة تسلق العمود، تساقط 13 هاويا بعد أن قبلت المحكمة ثلاث مترشحين فقط، وتزحلق الباقي!
المؤسسة العسكرية هي من تقود وتدير شؤون البلاد، أما الرئيس فهو واجهة سياسية فقط، من أجل تسويق خطاب إعلامي حول دمقرطة السلطة بالجزائر.
الانتخابات الاخيرة تبون هو مرشح الجنيرالات، لا يستطيع تسلق العمود، ربما هو المرشح الأكثر عجزا على التسلق، لأن سبب الاختيار كونه الأكثر ولاء لمؤسسة جعلت من الانتخابات عمودا للعب والفرجة، وليس استحقاقا وتصويتا وتنافسا.
منطق اختيار تبون، خاضع لمنطق التناسبية حيث يتناسب حجم العجز مع جحم الولاء للمؤسسة، فكلما زاد العجز زاد الولاء للمؤسسة، بذلك يكون هو المرشح الأنسب للمرحلة حيت الرهان الأساسي الحفاظ على الوضع الساكن لدولة تعادي الحراك الشعبي وتشتري السلم الاجتماعي عبر توزيع العائد البترولي، دون رؤية اقتصادية مما يجعله الأقرب الى الريع السياسي.
تبون يفكر من داخل الصندوق، ويعرف أن الخروج عن توجهات الجنرالات هو اختيار لطريق الموت / فالشاذلي بن جديد قدم استقالته رغما عنه، ومحمد بوضياف اغتيل امام الجميع برصاص جندي جزائري وهي رسالة للرئيس القادم بأن يكون ولاءه للجيش وليس للشعب.
اي رئيس جزائري يعلم جيدا أن الديموقراطية المحروسة بالجزائر هي طريق للموت، وليس أي موت، إنه موت متلفز وعلى المباشر، لذا فكل مرشح لا يرغب أن يكون رئيسا منتخبا، حتى لا يكون له نفس مصير بوضياف: اغتيال وامام الجميع.
(1)سرير بروكرست: اسطورة يونانية حول شخصية بروكرست، كان حداداً وقاطع طريق من أتيكا، وكان يهاجم الناس ويقوم بمط اجسادهم أو قطع ارجلهم لتتانسب أطوال أجسادهم مع سريره الحديدي بعد ذلك يقوم بقتلهم.
