
فاس.. افتتاح متحف البطحاء للفنون الإسلامية بعد إعادة ترميمه

افتتح، الأربعاء بفاس، متحف البطحاء للفنون الإسلامية بعد انتهاء أشغال إعادة ترميمه، التي أعطى انطلاقتها صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2019 ضمن مشروع ترميم وتثمين المدينة العتيقة لفاس.
ويعتبر هذا المتحف، الذي جرى افتتاحه بحضور رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف، مهدي قطبي، ووالي جهة فاس مكناس عامل عمالة فاس، معاذ الجامعي، ورئيس جهة فاس مكناس عبد الواحد الأنصاري، ورئيس الجامعة الأورومتوسطية بفاس، مصطفى بوسمينة، وشخصيات أخرى، واحدا من أقدم المتاحف المغربية وأكبرها وأهمها.
وتم بهذه المناسبة افتتاح معرض يسلط الضوء على مجموعة من الشواهد والوثائق المادية لمختلف السلالات التي تعاقبت على حكم المغرب منذ القرن الثامن الميلادي إلى غاية الآن، ويلقي الضوء على أحداث ومحطات تاريخية مهمة.
وفي تصريح للصحافة، أكد قطبي أن هذا الفضاء “المتميز” و”الساحر” الذي يفتتح بعد تفضل صاحب الجلالة الملك محمد السادس سنة 2019 بإعطاء انطلاقة أشغال ترميمه وصيانته، سيساهم في تعزيز العرض الثقافي والسياحي للمغرب ولمدينة فاس الاستثنائية والرائعة التي تحمل عبق التاريخ.
وأضاف قطبي أن من شأن متحف الفنون الإسلامية بالبطحاء أن “يعطي صورة رائعة عن إسلام التسامح والعيش المشترك، الإسلام المغربي الذي تعيش جميع الديانات سواء اليهودية أو الإسلامية أو المسيحية في ظله في وئام وسلام”.
وأشار رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف إلى أن المغرب يعد نموذجا للتسامح والحب والعيش المشترك بين معتنقي الديانات السماوية الثلاث، “في عالم يشهد تقلبات عديدة وسوء تفاهم”.
من جهته، أفاد رئيس قسم المتاحف بالمؤسسة الوطنية للمتاحف والقيم على المعرض الافتتاحي لمتحف البطحاء، عبد العزيز الإدريسي، بأن المتحف الذي يقع على مساحة إجمالية تناهز 7500 متر مربع يعتبر واحدا من أكبر الإنجازات التي حققتها المؤسسة الوطنية ويساهم في إبراز أوجه الثقافة المغربية المشرقة عبر مسار تاريخي تحقيبي كرونولوجي وعبر مسار موضوعاتي.
وأضاف الإدريسي أن المتحف يتيح للزائر استكشاف رصيد متحفي قيم يعرض لأول مرة، بالنظر إلى أهمية ونوعية المجموعة المتحفية المعروضة التي تضاهي ربما أكبر المجموعات المتحفية المتخصصة في تاريخ الحضارة الإسلامية في البحر الأبيض المتوسط بشكل عام.
وأشار إلى أن هذه المجموعة المتحفية تقدم أيضا أعمالا تؤرخ لأحداث مهمة من بينها تاريخ الكتابة في المغرب، والكتابة العربية وبعض القطع كمنبر عدوة الاندلس الذي يعتبر أحد المنابر النادرة في العالم الإسلامي، فضلا عن تطور الخط القرآني في المغرب، والدور الذي أسهم به المغرب في تنوير العالم خلال الفترة الوسيطية.
وتابع الإدريسي أن المجموعة تسلط أيضا الضوء على محطات نادرة جدا من تاريخ المغرب عبر مسار تاريخي متسلسل يبدأ من فترة ما قبل الإسلام وتأسيس الدولة الإسلامية في فاس والدول المتعاقبة إلى غاية الفترة العلوية، وكيف تمت استعادة وحدة هذا البلد وتأسيس هويته ومذاهبه والالتفاف حول العرش والمذهب المالكي.
فضلا عن ذلك، يضيف المتحدث، يتناول المعرض تيمات أخرى مرتبطة بنمط العيش والخصوصيات الثقافية التي طبعت المغاربة، وكيف استطاعت هذه الأرض المعطاء أن تجمع روافد متعددة في بوثقة واحدة انصهرت وعاشت بشكل جميل وآمن.
وأوضح أنه في إطار إبراز الخصوصيات الثقافية لمدينة فاس، يضم المعرض جناحا خاص بمدينة فاس ومدى إسهامها في نشر الثقافة المغربية عبر الزمن.
بدوره، أكد محافظ المتحف، علاء فشتالي، أنه بعد إعطاء صاحب الجلالة الملك محمد السادس انطلاقة أشغال ترميم هذا المتحف، قامت المؤسسة الوطنية للمتاحف ووكالة التنمية ورد الاعتبار لمدينة فاس، بترميم هذا الفضاء بطريقة تحافظ على أصالة هذا الموروث الثقافي واحترام تراثه الغني.
كما استعرض تاريخ هذا المتحف، مشيرا إلى أنه كان في الأصل قصرا ملكيا تم تشييده في عهد السلطان مولاي الحسن الأول خلال الفترة ما بين 1873 و 1894 ليكون مقرا لإقامته الصيفية واستقبالاته للشخصيات البارزة، وأكمل بناءه وتزيينه السلطان مولاي عبد العزيز في سنة 1897.
وأضاف فشتالي أنه في عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ، وبقرار ملكي، تم جمع مجموعة من الأسلحة التي تعود لأفراد مدينة فاس وترسانة باب الماكينة المتواجدة بالقرب من المتحف ليصبح معروفا ب “دار السلاح” ، وهو الإسم الذي لازال متداولا من طرف ساكنة حي البطحاء.
وأشار إلى أنه تم في سنة 1915، وبقرار ملكي أيضا، تحويل القصر إلى متحف ليحتضن بذلك أول معرض دائم حول الفنون والتقاليد الشعبية لمدينة فاس والنواحي، قبل أن يتم إدراجه في 23 يناير من سنة 1924 ضمن قائمة التراث الوطني المادي، وتناط إدارة المتحف سنة 2014 بالمؤسسة الوطنية للمتاحف.
وتميز افتتاح هذه المعلمة الثقافية الهامة، بزيارة شخصيات علمية بارزة ضمنها السيدان ألان أسبي وسيرج آروش الحاصلان على جائزة نوبل للفيزياء.
وفي هذا السياق، أعرب سيرج آروش، الذي رأى النور بالمغرب، عن سعادته البالغة بزيارة هذا المعرض الذي يسلط الضوء على تاريخ المغرب وتاريخ المبادلات التي جمعته بعدد من دول جنوب أوروبا كإسبانيا والبرتغال.
وأضاف أن المعرض يشكل فرصة رائعة للاطلاع، عن كثب، على التبادل بين مختلف الحضارات سواء ما قبل الإسلام أو الإسلامية، وهو الأمر الذي يكتسي أهمية كبيرة، معتبرا أن المغرب “يشكل نموذجا فريدا واستثنائيا يحتذى للتعايش والتسامح بين مختلف الديانات”.
ومن جهته، أعرب ألان أسبي عن فخره الكبير بزيارة متحف البطحاء للفنون الإسلامية وتلقي شروحات من قبل خبراء ومختصين تسلط الضوء على ما يكتنزه هذا الفضاء الاستثنائي، معربا في السياق ذاته عن إعجابه بالرؤية الثقافية للمملكة.
